هل سينجح العالم في التحول الكامل للطاقة المتجددة خلال القرن الـ21؟

تحقيق: هنا محمد عبداللطيف

عالمنا الحالي مدمن للوقود الأحفوري من الإضاءة في منازلنا إلى الوقود في سياراتنا، ويتم توليد جزء كبير من غازات الدفيئة التي تغطي الأرض وتحبس حرارة الشمس من خلال إنتاج هذا الوقود، عن طريق حرق الوقود الأحفوري لتوليد الكهرباء والحرارة، فضلاً عن أن الوقود الأحفوري كالفحم والنفط والغاز موارد غير متجددة استغرقت آلاف السنين لتكوينها، ولذلك يحتاج العالم إلى إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري والاستثمار في مصادر بديلة للطاقة النظيفة والمستدامة والعمل على التحول إلى استخدام الطاقة المتجددة أو المستمدة من المصادر الطبيعية التي يتم تجديدها بمعدل أعلى مما يتم استهلاكه ومنها طاقة الرياح والطاقة الشمسية وطاقة الأمواج والهيدروجين الأخضر.. فهل سيشهد العالم مزيدا من الاتجاه نحو الطاقة المتجددة؟ وماذا يحمل المستقبل في هذا الملف؟

إن توليد الطاقة المتجددة يخلق انبعاثات أقل بكثير من حرق الوقود الأحفوري. وعلى الرغم من أن الطاقة النووية تعتبر طاقة نظيفة، إلا أن إدراجها في قائمة الطاقة المتجددة هو موضوع محل نقاش كبير، وذلك لأن الطاقة النووية في حد ذاتها هي مصدر للطاقة المتجددة، لكن المادة المستخدمة في محطات الطاقة النووية – اليورانيوم – هي مادة غير متجددة.

في هذا التحقيق قررنا أن نطرح هذه التساؤلات الآتية: استمرار اعتماد البشر على الوقود الأحفوري والطاقة التقليدية.. ما عواقبه المستقبلية على المناخ والبيئة؟ ما هي التحديات التي تواجه مصر في استخدام الطاقة النظيفة؟ وكيف سيتم تشغيل محطات توليد الطاقة في المستقبل؟

زيادة التوجه العالمي

من جانبه، أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تقريراً جديداً تحت عنوان “الطاقة المتجددة في ضوء مخاطر التغيرات المناخية”، وسلط من خلاله الضوء على أهم المخاطر الناجمة عن التغيرات المناخية وطرق التكيف معها، وزيادة التوجه العالمي نحو الطاقة المتجددة وأهم المشروعات التي تمت في سياق الاقتصاد الأخضر، وأيضاً الطاقة النووية كأحد خيارات الطاقة النظيفة وزيادة التوجه العالمي نحوها.

وأشار التقرير إلى سعي دول العالم جاهدةً نحو محاولة الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، التي بات تأثيرها واضحا على كافة دول العالم، وتعاني الدول منها بصورة أو بأخرى، سواء من موجات الجفاف أو الفيضانات أو حرائق الغابات، وغيرها من صور التغير المناخي؛ لذا أصبح الاعتماد على الطاقة المتجددة والطاقة النظيفة يكتسب أهمية متزايدة في مواجهة مخاطر التغييرات المناخية.

وأضاف التقرير أن حرق الوقود الأحفوري لتوليد الكهرباء والحرارة يعد هو المساهم بشكل كبير في تغير المناخ، إذ يمثل أكثر من 75% من انبعاثات الغازات الدفيئة في العالم وحوالي 90% من جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ونجد أن حوالي 6 مليارات نسمة يستخدمون الوقود الأحفوري المستورد، مما يجعلهم عرضة للأزمات الجيوسياسية، بينما تتوافر مصادر الطاقة المتجددة في معظم الدول، ولم يتم استغلالها على النحو الأمثل؛ حيث يمكن للطاقة المتجددة أن تولد 90% من كهرباء العالم بحلول عام 2050، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، بما يسمح لكافة الدول بتنويع اقتصاداتها وحمايتها من التقلبات العديدة في أسعار الوقود الأحفوري.

خريطة الطاقة المتجددة

يقول الدكتور جواد الخراز، المدير التنفيذي للمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة: إن الاعتماد على الوقود الأحفوري للأسف مستمر بطبيعة الحال لكن هناك بعض التحول الإيجابي ، مثلاً في سنة 2022 لأول مرة في التاريخ، بلغ مجموع استثمارات الطاقة المتجددة ما يفوق استثمارات الطاقة الأحفورية على مستوى العالم، فهناك تقريباً 1,7 مليار دولار تم إنفاقها الطاقة النظيفة مقابل 1,1 مليار دولار للطاقة الأحفورية، وهذا تحول إيجابي ولكن نأمل أن يكون المجهود مضاعفًاً، وفي مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ “كوب 28” والذي تم عقده بالإمارات العربية المتحدة العام الماضي، تم إقرار عبارة مهمة بالنص الختامي نصت على التحول عن الوقود الأحفوري في أنظمة الطاقة بشكل عادل ومنسجم مع ما يقوله العلم، وهو مهم جداً أن يتم التحول عن الوقود الأحفوري في كل القطاعات بحيث يتم الوصول إلى الحياد الكربوني في كل القطاعات الاقتصادية بما فيها النقل والقطاع الصناعي والزراعي وغيرها.

 

عواقب وخيمة

وأشار الخراز إلى أنه إذا لم يتم تسريع عملية التحول نحو الطاقة النظيفة ومضاعفة الطاقة المتجددة ثلاثة أضعاف بحلول2030 ، فإنه للأسف سوف تكون العواقب المستقبلية على البيئة كبيرة وخطيرة جداً، ونرى مسبقاً بعض العواقب من توالي سنوات الجفاف وشح المياه ومن فيضانات فجائية في مناطق كثيرة في العالم وموجات توسونامي وكوارث طبيعة وتقلب في درجات الحرارة، وفقدان التنوع البيولوجي وفقدان التنوع النباتي، حيث إن هناك أحياء كثيرة مهددة بالانقراض سواء في المحيطات أو في اليابسة، وهناك بالتأكيد خطر حقيقي لاختفاء بعض الجزر في المحيط الهندي أو في المحيط الهادي بسبب ارتفاع مستوى البحر الناجم عن دوبان الجليد بالقطب الشمالي، وكل هذا بطبيعة الحال عواقب وخيمة، وإذا لم نحقق هدف خفض حرارة الأرض عند مستوى 1.5 درجة سوف يكون المستقبل كارثيا، فمن المحتمل أن تغرق الجزر والمدن الساحلية مثل الإسكندرية، ومدن كاملة سوف تغرق وسوف يكون هناك ضحايا بالملايين، إذا استمرت وتيرة تأثير التغيرات المناخية  دون القيام بما يجب للتخفيف من انبعاثات ثاني أكيد الكربون والغازات الدفيئة.

ريادة مصرية

وأضاف الخراز أن مصر تعتبر رائدة في المحيط العربي والأفريقي من ناحية التحول نحو الطاقة النظيفة وهناك جهود كبيرة وجبارة ووجود إرادة سياسية من الرئيس السيسي وحكومته، وكذلك رأينا تنظيم مصر لمؤتمر المناخ في شرم الشيخ في 2022 ورأينا مدى حرص مختلف القطاعات بمصر للتقدم في مجال التحول نحو الطاقة النظيفة والمتجددة.

أضواء المستقبل

وأكد الخراز أن المستقبل سوف يشهد تحولاً نحو محطات تعمل بالطاقة المتجددة والشمسية على وجه الخصوص، ونرى في مصر محطة “بنبان” من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، وهناك كذلك مشاريع طاقة رياح كبيرة تولد نحو 3,5 جيجا وات بخليج السويس في جبل الزيت والزعفرانة، وهناك طاقة شمسية وطاقة رياح كبيرة يمكن أن تتطور بمشاريع أكبر وأكبر في مصر، والطاقة الكهرومائية أيضاً والطاقة المستمدة من النفايات وغيرها فضلاً عن الطاقة النووية، كذلك فإن  محطات توليد الطاقة في المستقبل ستكون أكثر اعتمادًا على الطاقة المتجددة، وبطبيعة الحال أفضل طريقة للاقتراب للحياد الكربوني هي تحييد الكربون في القطاعات الاقتصادية مثل النقل الكهربائي، وبالتالي يجب أيضاً استخدام الهيدروجين الأخضر في القطاعات الصناعية حيث يكون صعب تحييد الكربون من قبيل صناعات النسيج وصناعة الحديد والصلب، لذلك فإن استخدام تقنيات كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة في مختلف الشركات والمؤسسات الصناعية فضلاً عن القطاع الزراعي مثل تحلية المياه وإعادة استخدام المياه المعالجة باستخدام الطاقة المتجددة. ومن المهم جداً الاستثمار في الطاقة المتجددة لنحصل على الحياد الكربوني المنشود بحلول 2050 .

 

وأوضح الخراز أن مصر بطبيعة الحال لها طموح وخريطة واضحة على مستوى استخدام الطاقة المتجددة كما قلت، حيث تستهدف أن تبلغ نسبة الطاقة المتجددة 42% من مزيج الطاقة بحلول 2035، وهذا الهدف سيتم تحديده قريباً بحيث يكون الهدف أكثر طموحاً للوصول إلى 60% بحلول 2050، وهناك كذلك أهداف متعلقة بكفاءة الطاقة وخطط استراتيجة تم إقرارها بخصوص الهيدروجين النظيف أو قليل الكربون، وكل هذا سوف يجعل مصر مؤهلة أكثر من أي وقت مضى باستخدام الطاقة المتجددة بشكل واسع وفي مختلف القطاعات الاقتصادية .

تغير المناخ

وتقول الدكتورة إلهام محمود، أستاذة علوم البحار والبيئة بجامعة السويس، وعضو الأمم المتحدة للجنة الحكومية للتغيرات المناخية؛ والحاصلة علي جائزة الامتياز العلمي «كوامي ناكروما» في مجال علوم الحياة والأرض: إن مشكلة تغير المناخ الأساسية تعود باستمرار لاستخدامنا للوقود الأحفوري والطاقة التقليدية بأنواعها سواء الفحم أو البترول، وإذا أردنا أن نقلل من ارتفاع حرارة الأرض مقارنةً بمستوى ما قبل الثورة الصناعية يجب أن نقلل تدريجيًاً من استخدامنا للوقود الأحفوري والطاقات غير النظيفة، والخفض التدريجي هو المقبول حاليًا من كافة الدول وخاصة الدول المتقدمة والتي يقوم اقتصادها على الصناعة وعلى استخدام هذه الأنواع من  الطاقات، لأن التدرج في استخدامها يمكن أن يصل بنا إلى zero اعتماد عليها، وبالتالي نستطيع أن نوقف الزيادات في درجات الحرارة العالمية.

 

وترى إلهام أنه لا توجد تحديات أمام التحول، ويمكن أن يكون التحدي الأساسي هو التحدي المادي، لأن تحولنا إلى استخدام أنواع من الطاقة النظيفة يحتاج أن نستخرج هذه الطاقة، والطاقة النظيفة أنواع، كأن نعتمد على طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية أو طاقة الأمواج أو اعتمادنا على استخراج الهيدروجين الأخضر أو استخدمنا لكل الموارد مثل الطاقة البيولوجية التي نستخرجها من الكائنات الحية، والتحدي الوحيد من وجهة نظري أن استخراجنا لكل هذه الأنواع من الطاقة يحتاج إلى دعم مادي كبير، وهذا ما نادى به الرئيس عبدالفتاح السيسي في مؤتمر COP27، وأعتقد أن لدينا الدعم المادي الكافي وسنستطيع توظيف كل  التكنولوجيات والعلماء في مصر.

 

وذكرت إلهام أن العالم يحلم بأنه بحلول 2050 وبعض الدول في 2070 يمكن أن نستغني عن استخدام الطاقة غير النظيفة واستبدالها بالطاقة المتجددة بكل أنواعها، ولكن للأسف ليست كل الدول بدأت في تنفيذ خططها اللازمة لكن ننتظر لنرى، وهناك بعض الدول تقوم بعمل خطط ممتازة جداً لاستبدال الطاقة غير النظيفة بالطاقات المتجددة منها مصر، حيث تضع مصر خطة قومية واعدة للتطوير بحلول 2030، ومصر حالياً  تعتمد على نسبة جيدة من الطاقة الجديدة أو النظيفة، وأعتقد حالياً وصلت مصر إلى 30 أو 35% من استبدال الطاقة غير النظيفة بالطاقة النظيفة، وهناك خطة واعدة بحلول سنة 2035 لأن هذه النسبة سوف تزيد إلى 55% ويمكن أن تصل إلى 60  أو 70% بحلول 2050. كما أن هناك أنواع كثيرة جدًاً من الطاقة التي سوف نعتمد عليها، حيث توضح الخطة القومية أنه بحلول 2035 يمكن أن يتمثل مزيج الطاقة المتجددة ما يلي: 55% طاقة حرارية، و2% من الطاقة الكهرمائية، وحوالي  20% من الطاقة الشمسية، و14% من طاقة الرياح، ويمكن أن نصل إلى 3% من الطاقة النووية بعد أن تعمل محطة الضبعة النووية.

الهيدروجين الأخضر

ويقول الدكتور أحمد سلطان، المتخصص في شؤون النفط والطاقة، إن خفض دعم الوقود الأحفوري سيقود العالم نحو تحقيق الأهداف المناخية المرجوة، ولكنها بطبيعة الحال عملية صعبة ومعقدة، وبكل تأكيد ستأخذ في طريقها العديد من الضحايا، وبالأخص الدول النامية التي لا تزال تكافح فقر معدلات الطاقة، ولذلك ترى الدول محدودة الدخل أن إنتاج النفط والغاز الطبيعي والفحم من ضروريات التنمية الاقتصادية، ولذلك تحارب من أجل ضمان عدم خنق تنميتها في طريقها نحو مستقبل منخفض الكربون، والاقتصادات المتقدمة والنهضة الصناعية هي التي تسببت تاريخيًا في معظم الانبعاثات.

 

وأشار سلطان إلى أن هناك العديد من العوائق الكبيرة التي ستقف حائلًا أمام إلغاء دعم الوقود الأحفوري ومنها صعوبة ضخ نفس الكميات للأسواق وتعويض الطاقة التقليدية، وتُشكل شركات الوقود الأحفوري المختلفة تكتلات ووجهات سياسية قوية وعالمية، وأيضًا هناك العديد من المخاوف من فقدان بعض الوظائف وبالأخص في المجتمعات التي لا يوجد بها خيارات متعددة في مجالات الطاقة، وعامة يشعر الناس بالقلق والخوف من أن ارتفاع الأسعار في شرائح الطاقة سيعمل على انخفاض معدلات النمو الاقتصادي أو تسارع وتيرة التضخم العالمي.

 

وأكد سلطان أن مصر نموذج أفريقي واعد في مجال التحول نحو الاقتصاد الأخضر عبر العديد من المشاريع، والتي من أهمها إنتاج الهيدروجين الأخضر، ويحظى الهيدروجين الأخضر في مصر باهتمام كبير ومتزايد، خاصةٍ مع توافر إمكانات الطاقة المتجددة. وذلك وفقًا للإستراتيجية المصرية للطاقة حتى عام 2035، والتي تستهدف الوصول بنسبة مساهمة الطاقة المتجددة إلى حوالي 42% من إجمالي الطاقة الكهربائية المنتجة وذلك بحلول عام 2035. وعليه يمكن القول، بأن الدولة المصرية وضعت خطة استراتيجية تهدف إلى التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر، حيث تطمح أن تكون على رأس الدول المنتجة له باعتباره وقود المستقبل، وقد قامت بدمجه في استراتيجية الطاقة، وتقترب مصر من تنفيذ العديد من مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر، وبالشراكة مع كبرى الشركات العاملة في المجال، وتنفيذ خطة وطنية لإنتاج الهيدروجين الأخضر بقيمة حوالي 40 مليار دولار في الفترة المقبلة؛ وذلك إدراكًا منها لأهمية إنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء وتخزينهما وتجارتهما، في إطار استراتيجيتها للتنمية الاقتصادية، والتي تستهدف الوصول إلى حوالي 8% من السوق العالمية للهيدروجين. ولذلك تمت الموافقة على الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر.

 

وأضاف سلطان: تمتلك سوق الهيدروجين الأخضر في مصر آفاقًا واعدة لتلبية الاحتياجات المحلية والعالمية على حدٍ سواء، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وعليه فإن الطلب الحالي على الهيدروجين في مصر يبلغ حوالي 2% من الطلب العالمي، مع هدف توفير حوالي 10 ملايين طن سنويًا من احتياجات سوق الهيدروجين العالمية، وذلك بحلول عام 2040، والتركيزعلى إنتاج الوقود الأخضر للقطاع البحري في قناة السويس (مستهدف حوالي 8%). وبشكل عام، تهدف مصر إلى الحصول على حوالي 1.1 مليون طن من الأمونيا الخضراء بحلول عام 2030 (طويل الأجل حوالي 2.3 مليون طن)، وحصة سوقية قد تصل إلى حوالي 8% من سوق الهيدروجين العالمي بحلول عام 2040 (إنتاج حوالي 220 ألأف طن)، كما تعتزم تصدير حوالي 50% من طلب الاتحاد الأوروبي على الهيدروجين الأخضر. ومن شأن الاستثمارات التي تبلغ قيمتها حوالي 83 مليار دولار أن يُنتج ما يصل إلى حوالي 15 مليون طن سنويًا من الأمونيا الخضراء والميثان الاصطناعي.”

Scroll to Top