أدى تطور التكنولوجيا إلى تغيير طريقة ممارستنا للطب، حيث أصبحت الخوارزميات قوية بما يكفي للتنبؤ بالنتائج الطبية. كما لعب الانفجار الأخير في أساليب التعلم الآلي، والذكاء الاصطناعي دوراً مهماً في ظهور ما يعرف بالأدوية الرقمية، فهل تتخيل أنك تبتلع حبة دواء تحتوي على جهاز استشعار يرسل بيانات عن صحتك إلى هاتفك الذكي؟ أو أن تخضع لاختبار جيني يحدد لك أفضل دواء لحالتك الصحية؟.. هذه ليست أفكار خيالية، بل هي أمثلة حقيقة للأدوية الرقمية.. تعالوا نعرف معًا في هذا التقرير كيف فتحت الأدوية الرقمية آفاقاً جديدة لتحسين صحة حياة الملايين من الناس في العالم؟ وكيف تواجه أيضاً مخاطر ومسؤوليات كبيرة؟
نشأة وتطور
يعود استخدام الأدوية الرقمية إلى عام 2000، واستخدم المصطلح نفسه منذ عام 2012، وذكر لأول مرة في منشور بحثي عام 2015 وفيه عرف الدكتور كاميرون أن الأدوية الرقمية هي أدوية سلوكية قائمة على الأدلة تقدم عبر الإنترنت وتزيد من إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية وزيادة فعاليتها. ولا تزال الأدوية الرقمية مجالاً ناشئاً للتو.
تعريف وأنواع
وعلى الرغم من تعدد تعريفات الأدوية الرقمية، إلا أنه يمكن تعريفها بشكل عام على أنها أدوات تستخدم التكنولوجيا الرقمية، لتحسين صحة الأفراد وتشمل البرامج والتطبيقات، والأجهزة القابلة للارتداء، والمستشعرات. كما تعرف أيضاً بأنها عبارة عن ملفات صوتية تستخدم ترددات مختلفة في كل أذن لتوليد صوت ثالث في الدماغ لتحاكي تأثيرات بعض الأدوية المحظورة.
ومن أنواع هذه الأدوية ما يلي:
الفوائد والمخاطر
أصبحت الأدوية الرقمية جزءاً لا يتجزأ من تحسين تقديم الرعاية الصحية، وذلك بسبب فوائدها المبتكرة، والتي تتمثل في مساهمتها في تتبع دورات العلاج والجرعات بدقة، كما تمكن المرضى والأطباء من مراقبة الأدوية والتفاعلات الدوائية بشكل أفضل. وزيادة الامتثال للعلاج، حيث يمكنها تحفيز المرضى على اتباع نظام العلاج بشكل أفضل، كما تساعد في التذكير بالجرعات. وتخفيف الأعباء الإدارية، حيث تعمل على تقليل الحاجة إلى زيارات الطبيب، كما تسهم في تقليل الأعباء الإدارية على النظام الصحي. وعلى الرغم من هذه الفوائد إلا أن لها عيوبا أيضاً تتمثل في الخصوصية والأمان، فقد يكون هناك مخاوف بشأن تسريب المعلومات الشخصية.
وفيما يتعلق بالتقنية والتوافق، فإنه يجب أن تكون الأدوية الرقمية متوافقة مع مجموعة متنوعة من الأجهزة والنظم. ولكن تظل التكلفة المرتفعة عائقا في وصولها لأغلب الناس. كما أظهرت بعض الدراسات أن هذه الأدوية يمكن أن تسبب الإدمان، وأن آثارها طويلة الأمد على الصحة البدنية والعقلية.
التحديات والحلول
الأدوية الرقمية هي مجال جديد ومثير في الصحة والتكنولوجيا، ومع ذلك فإنه يواجه بعض التحديات الرئيسية تتمثل في: التكاليف العالية والتنظيم القانوني والأخلاقي، الذي يتطلب وضع معايير وضوابط لضمان سلامة وفاعلية هذة الأدوية، والتحيز والتميز في الأدوية الرقمية الذي ينتج عن استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والبيانات الكبيرة في تحليل وتصميم هذه الأدوية، والذي قد يؤثر سلباً على نتائج العلاج، بالإضافة إلى الآثار الجانبية والتأثير البيئي لهذه الأدوية الذي قد عنه ينتج تفاعل الجسم البشري أو البيئة المحيطة مع هذه الأدوية مما يسبب مشاكل صحية أو بيئية، وهذه بعض التحديات ولكنها ليست الوحيدة.
وتتلخص حلول هذه المشكلات في بعض النقاط وهي: تكثيف المعرفة الرقمية بالتكنولوجيا الجديدة، والتشفير والحماية القوية للبيانات الصحية، والتبليغ عن الآثار الجانبية والمشكلات الأمنية التي تتعلق بالأدوية، والتحقق من مصدر الأدوية الرقمية، والتدريب والتوعية للمرضى والمهنيين الصحيين حول استخدام الأدوية الرقمية بشكل صحيح، والتحسين المستمر للبرمجيات والتطبيقات الصحية بشكل دوري، وتوجيه المهنيين لفهم التحديات والمخاطر المرتبطة بالأدوية الرقمية، بالإضافة إلى تطبيق إجراءات أمان صارمة للحفاظ على خصوصية المرضى.
تطبيقات ومستقبل
هناك بعض الأدوية التي تم تجربتها واعتمادها في الفترة الأخيرة وهي :
1- Abilify MyCite وهو أول دواء رقمي معتمد من الـFDA أو إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، ويستخدم لعلاج الفصام واضطراب ثنائي القطب والاكتئاب الحاد، ويحتوي هذا الدواء على جهاز استشعار صغير بحجم حبة الرمل مصنوع من السيليكون والنحاس والمغنيسيوم ويتم تنشيط إشارة كهربائية عندما يحدث اتصال بين جهاز الاستشعار وحمض المعدة ثم يخرج المستشعر من الجسم بشكل طبيعي، وتتلقى اللاصقة التي يضعها المريض علي القفص الصدري الأيسر الإشارة بعد دقائق من تناول الحبه وترسل اللاصقة البيانات إلى التطبيق الذكي عبر البلوتوث.
2- Eversense وهو أول نظام لمراقبة الجلوكوز في الدم، ويتكون من جهاز استشعار قابل للزرع تحت الجلد وجهاز إرسال يثبت على الجلد وتطبيق على الهاتف الذكي، يقيس هذا الجهاز استشعار مستويات الجلوكوز في الدم كل 5 دقائق ويبثها إلى الهاتف الذكي مما يساعد المرضى على إدارة حالتهم.
3- Oncotype DX وهو اختبار جيني رقمي يستخدم لتحديد خطة العلاج المناسبة لبعض أنواع سرطان الثدي، ويقوم على تحليل نشاط 21 جيناً في عينة من الورم ويعطي درجة تشير إلى احتمالية عودة المرض أو استجابة العلاج الكيميائي.
تمت الموافقة في الأصل علي هذه الأدوية من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، من خلال مركز الأجهزة والصحة الإشعاعية عبر (FDA) الأمريكية، وأكدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن مراجعة الأدوية الرقمية تتضمن تقييم مكونات الجهاز القابل للهضم، وأنه لا توجد حاجة إلى بيانات إضافية تتعلق بالسلامة والفاعلية للدواء الأصلي.
وقد بدأ العالم حقبة جديدة من التقنيات المثيرة فيما يخص المجال الطبي، ولا شك في أن الأدوية الرقمية هي ثورة جديدة في قطاع الطب والصناعة الدوائية فهي مجال مهم ومتطور في الرعاية الصحية، وأنها قدمت فرصاً وتحديات كبيرة للمرضى، فقد ساهمت في تحسين حياتهم بطرق مختلفة ومبتكرة، ومع ذلك تتطلب هذه الأدوية مسؤولية وحذراً كبيراً من جانب جميع المشاركين في تطويرها وتطبيقها لضمان الأمن والخصوصية، والاستخدام الآمن والفعال لهذه الأدوية، ولتحقيق الفائدة القصوي للصحة العامة والبشرية، ففي النهاية يجب أن يكون التحول الرقمي في قطاع الرعاية الصحية مستداماً وموجهاً نحو تحقيق أفضل نتائج للمرضى والمجتمعات.