زياد عبدالتواب خبير أمن المعلومات: الإبداع سيظل حكرًا على العقل البشري

حوار: هنا محمد عبداللطيف - هايدي سامي

ظهر الذكاء الاصطناعي كمصطلح علمي عام 1956 في مؤتمر دارتموث، ولكنه برز بشكل كبير في الفترة الأخيرة، كما شهد تطوراً هائلاً حيث أصبح يلعب دوراً مهماً في مختلف جوانب الحياة البشرية، مثل الصحة والتعليم، والصناعة، والفن، والترفيه..إلخ، ورغم المزايا التي يحملها هذا التطور إلا أنه بلا شك يحمل أيضا تهديدات وجوانب أكثر خطورة، لذلك ألقت “تليسكوب” الضوء على حقيقة الذكاء الاصطناعي وما يمكن أن يحمله للبشرية، وذلك من خلال الحوار التالي مع المهندس زياد عبدالتواب، رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء سابقًا، وخبير أمن وتكنولوجيا المعلومات، وإليكم نص الحوار:-

التطوير المثير الذي شهدته روبوتات الدردشة الآلية والذكاء الاصطناعي التوليدي.. هل تعتقد أنه سيلغي الإبداع البشري في المستقبل؟

حالياً وحتى الآن لن يلغي الإبداع البشري، لأن روبوتات الدردشة الموجودة حالياً مثل روبوت شات جي بي تي وهو يسمي Large Language Model أي نموذج لغوي كبير، لديه قاعدة بيانات فيها كمية كبيرة جداً من المعارف والروايات والقصص والمعلومات وعمليات عقلية أي أنه يقوم بعمل مقارنات بين البيانات وبعضها ويحللها، ثم يُنتج نتيجة جديدة، وهي معلومات موجودة بالفعل، ولكن يقوم ببعض العمليات، فهذا لا يعتبر إبداعا حقيقيا ولكنه مبني على البيانات الموجودة، ولكن قدرة الإنسان مازالت أكبر بكثير من هذه التقنيات، فالروبوتات تعطينا البينات الموجودة بالفعل ولكن بصورة منظمة ليس أكثر.

ما هي المهارات التي ستظل حكرًا على العقل البشري مهما تطورت التكنولوجيا في هذا الشأن؟

الإبداع والابتكار والفن، كل هذه الأمور ستظل قاصرة على العقل البشري، لكن برامج الذكاء الاصطناعي يتعلم وينفذ ما يعلمه له البشر، ولذلك ستظل قدرات الإنسان دائمًا أعلى وأكبر من قدرات الذكاء الاصطناعي، والمخترع البشري يمكن أن يخترع ويطور أي شيء وأي وسيلة، لكن الذكاء الاصطناعي هو مجرد تنظيم للإجراءات، ويمكن أن يُنشيء خططا وقرارات، ولكن لا يستطيع أن يبدع شيئا بمفرده، ويمكن أن يقوم بعملية trying errors أي يقوم بتجارب ويتخذ القرار المناسب، وهي طريقة قترب قليلاً من الطريقة التي يتبعها المبدعون، فالمبدع الحقيقي والمهندس الحقيقي والدكتور الحقيقي سيظل موجودا، لكن الذكاء الاصطناعي سيأخذ مساحة كبيرة من الإنسان صاحب المهارة المحدودة.

ما الوظائف البشرية المرشحة للاختفاء في المستقبل القريب بفضل الذكاء الاصطناعي؟ وبماذا تنصح أصحاب هذه الوظائف للاستعداد من الآن؟

الوظائف البسيطة، مثل السكرتارية، يمكن أن تختفي ويحل محلها الذكاء الاصطناعي، فهي وظيفة روتينية تكتب وتجيب على الرسائل وتنظم المواعيد، مثل هذه الوظائف يستطيع أن يقوم بها الذكاء الاصطناعي ببساطة، والموظفون في خدمة العملة يمكن أن يحل محلهم الذكاء الاصطناعي، ولكن لا يمكن أن يحل محل المبرمج ومطور النظم أو الدكتور أو المهندس فهو يمكن أن يكون مساعدا فقط للوظائف المتقدمة ليقوموا بعملهم بصورة أدق وأفضل وأسرع،  وأنصح أصحاب هذه المهن أن يرتقوا بمستواهم أو يتعرفوا على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في القيام بوظائفهم، أي الوظائف التي تحتاج إلى حرفية وصنعة وخبرة.  

حدثنا عن وظائف المستقبل.. وهل هناك وظائف ومجالات معينة تنصح الشباب من الآن للالتحاق بها؟

المستقبل هو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والبيانات الهائلة، فوظائف المستقبل أغلبها مرتبطة بتحليل البيانات وهو علم تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وأمن الشبكات، هذه من أكثر الوظائف التي ستكون موجودة في المستقبل، ففي العالم حالياً يوجد مليون وظيفة يشغلها أشخاص متخصصون في الأمن السيبراني، وهو أمن الشبكات حتى في أوروبا، وهذا يعني أننا في احتياج إلى أعداد كبيرة في هذا المجال، أما الوظائف التقليدية البسيطة فهي مهددة، وحسب تقرير البنك الدولي فإن ٤٠٪ من الوظائف مهددة بالانقراض وسيحل محلها الذكاء الاصطناعي.

السايبورج أو الروبوتات الشبيهة بالإنسان.. هل ستتطور بشكل مخيف لدرجة أننا سنصل لعصر من الصعب أن نميز فيه بين البشر والروبوتات؟

نحن دائماً عند وجود تكنولوجيا جديدة نمد الخط على استقامته، هناك روبوتات تمسح الأشياء وتتحدث مع البشر، ودائمًا ننظر بصورة شبه خيالية بمعنى أن الروبوت بدلاً من أنه مصنوع من البلاستيك أو من الحديد؛ يتم كساؤه بشيء يشبه الإنسان، يمكن أن تقوم التكنولوجيا بذلك ولكن سيكون ثمنه مرتفعًا جداً، وأعتقد أنه يحتاج ١٥ سنة على الأقل حتى يكون “الروبوت البشري” موجودًا، لكن يمكن أن نصل إلى هذا في المستقبل، ولكن ليس لدرجة أن يكون في مكان ما ٥٠ شخصًا واكتشف أن نصفهم روبوتات وليسوا بشرا!

هل يمكن أن تصنع التكنولوجيا روبوتات قادرة على الشعور مثل البشر في المستقبل؟

هي تقنية موجودة حاليا وتسمى الـdeep learning أو التعلم العميق، ولكنها تقنية قائمة على تعليمات الإنسان، مثل الطفل الصغير الذي يمسك النار ويشعر بألم ويخزن في ذاكرته أن هذا الشيء يحدث له ألم فيتعلم من تكرار الموقف، ولكن يمكنني كبشر أن أخدع الذكاء الاصطناعي وأعطيه إحساسا بالسعادة عندما يمسك النار وأعطيه إحساسا بالآلام عندما يضع يده في المياه، فلا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يطور شعوره الذاتي بدون أن يكون الإنسان رقيبا عليه أو متحكم فيه وفي مشاعره.

هل تطور الروبوتات ذاتياً يعني بداية النهاية لسيطرة البشر على الأرض؟

يمكن للروبوت أن يعيش وحده، وأن يطور مجموعة من المعارف، ولكن لا يستطيع أن يطور مشاعره أو أفكارا جديدة ليست موجودة، هذه مميزات خاصة بالإنسان فقط.

الاندماج بين الإنسان والآلة الذكية.. كيف سيكون شكله في المستقبل؟

حالياً هناك وضع لاندماج الإنسان مع التكنولوجيا من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، ونعتقد أننا نتحدث مع الأصدقاء فقط، لكن حالياً أغلب الأصدقاء الذين نتحدث مهم ليسوا أصدقاء حقيقيين، هم أصدقاء أو روبوتات من صنع أنظمة الذكاء الاصطناعي والخوارزميات الموجودة في شبكات التواصل الاجتماعي. في المستقبل يمكن أن يزيد الاندماج بين الإنسان والآلة لكن يجب أن يكون هناك وعي لتقليل مساحة وحجم تدخل وتحكم الآلة في حياتنا حتى لا يؤثر علي صحتنا النفسية والبدنية والعقلية واضطرابات النوم والهضم والاكتئاب والتوتر والانعزال، وغيرها من المشاكل النفسية مثل نظارات الميتافيرس التي توفر لنا التواصل عبر عالم افتراضي يفصلنا عن الواقع، كل هذا يمكن أن يؤثر سلبياً على عقل الإنسان.  

هناك مخاوف من سيطر الروبوتات على حياة البشر في المستقبل.. ما مدى صحة هذه المخاوف من وجهة نظرك؟

فكرة أن تسيطر الروبوتات على البشر هي فكرة غير صحيحة، ولكن يمكن أن تُسلط الروبوتات على مجموعة من البشر، فيمكن مثلاً أن تُستعمل الروبوتات في الحروب بمعنى أن يكون هناك مقاتل من الروبوتات، ويمكن أن نجعل الروبوتات تتحدث بصوت بشري طبيعي ويكونوا أصدقاء للبشر، ويمكن أن تتحكم وتحلل كل البيانات السابقة الموجودة بالفعل عن البشر، فيمكن من خلال هذه البيانات أن تتوقع الروبوتات الخطوة القادمة للبشر وهذه هي الخطورة.

حدثنا عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تصميم المدن الآن.. كيف سيكون شكل المدن الذكية في المستقبل؟

المدن الذكية هي المدن التي توفر الطاقة، وهي مدن صديقة للبيئة، ومدن توفر في كل الأمور المرتبطة بالمرور والطرق والبنية الأساسية الموجودة، والإنسان لا يستطيع أن يخطط مدينة كبيرة بمفرده، وإنما يجب أن يستعين بالذكاء الاصطناعي ليساعده في تخطيط الشوارع ومساحات الشوارع والمداخل والمخارج والبينية الأساسية تحت الأرض من مياه وكهرباء وغاز ومحطات المترو، فالذكاء الاصطناعي يساعد الإنسان في أن يجعل الحياة ذكية ويجعل المدن الذكية الموجودة حالياً أكثر ذكاء. وشكل المدن حالياً مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين من المدن الذكية، وهناك مدن كثيرة على مستوى العالم يتم التحكم في كل البينة الأساسية بها، وكل خدماتها من خلال أجهزة الكمبيوتر التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، فهي علي سبيل المثال توفر من استهلاك المياه ٣٠%، وتوفر أيضاً المدن الذكية من حدة الازدحام وتجعل المرور يتمتع بانسياب بنسبة ٣٠٪.

ما رأيك في التطور الكبير للذكاء الاصطناعي في الطب وتشخيص الأمراض.. هل سيحل محل الأطباء في المستقبل؟

هذه التقنية تستعمل حالياً، مثل الدكتور الشاطر من خلال ممارسة مهنة الطب، والذكاء الاصطناعي يعمل بنفس الصورة من خلال إدخال تحاليل وبيانات مرضى وأشاعات والسن والنوع وكل البيانات ومن خلال هذه المعلومات يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يشخص المرض ويشخص الدواء وأن نسبة النجاح في تشخيص المرض وكتابة العلاج حالياً يمكن أن تصل ٨٥٪ ، ولكن ليس لدرجة أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الأطباء في المستقبل، لأن هناك أمور تحتاج إلى دقة وخبرة كبيرة كعمليات المخ وجراحات القلب المفتوح، ولكن يمكن للدكتور أن يستعين بالذكاء الاصطناعي، كما أوضحنا من قبل أن كل المهن من دكتور ومهندس ومحامي وكاتب وأديب وموسيقي وكاتب سيناريوهات وإعلامي وصحفي وغيرها يمكن أن تستعمل الذكاء الاصطناعي لينظم البيانات، فهو معاون للإنسان، ولكن لا يستطيع أن يعتمد عليه الإنسان بشكل عام، بمعنى أن الذكاء الاصطناعي يقوم بـ٧٠% تقريباً من الوظائف، و٣٠٪ هي خبرة الإنسان.

تحدثت في كتابك الجديد عن دور الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات.. حدثنا عن هذا الأمر؟

الذكاء الاصطناعي قائم أساساً على البيانات، الذكاء الاصطناعي موجود منذ الخمسينيات، ولكن في هذه الفترة لم يتوفر عدد كبير من البيانات، وأجهزة الكمبيوتر كانت قدراتها ضعيفة، وفي التسعينيات ظهرت شبكة الإنترنت وتم توافر أعداد هائلة من البيانات، وظهر ما يعرف بإنترنت الأشياء، بمعنى أن كل الأجهزة من حولنا يمكن أن تتصل بالإنترنت (الساعة – السيارة – الثلاجة)، وعندما دخلنا في الألفية الجديدة أصبح الذكاء الاصطناعي لديه مساحة كبيرة جداً من البيانات، وقدرات الكمبيوتر أصبحت عالية جداً وتطورت البرمجيات والخوارزميات، وأصبح لديه قدرة على تحميل هذه البيانات الكبيرة بصورة أكثر دقة.

مؤخرا وقعت حوادث صادمة مثل اعتداء روبوت على عامل في مصنع سيارات تسلا بأمريكا.. هل تعتقد أن هذه الحوادث ستكثر في المستقبل وما سببها؟

أي شيء له علاقة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومرتبط بشبكات يمكن أن يحدث به خطأ في البرمجة أو اختراق للبرنامج الموجود عليه الروبوت، ويمكن أن يتم مسح بعض البيانات ووضع بيانات أخرى خاطئة، ويصور له أن هذا الشخص الذي أمامه عدو يجب أن يتعامل معه، لذلك الأمن السيبراني وأمن الشبكات وأمن المعلومات مهم جداً وسيظل دائماً هو القاعدة الأساسية لبناء أي نظام معلوماتي سواء بالذكاء الاصطناعي أو غيره. 

أصدر مجلس الوزراء قبل سنوات تقرير عن العالم سنة 2050.. باختصار ما الذي تراه يهدد العالم في هذا العصر القادم؟

حالياً، التغيرات المناخية من أهم ما يهدد العالم والأوبئة والتكنولوجيا النووية والتكنولوجيا البيولوجية تعني إنتاج الأمراض والفيروسات ويضاف إليها الذكاء الاصطناعي، وإذا لم نضع للذكاء الاصطناعي قواعد وقوانين لتطوير البرمجيات واستخدامها يمكن أن تحدث مشكلات كثيرة، على سبيل المثال لو كانت البينات على الذكاء الاصطناعي منحازة فستكون الإجابة منحازة، ويمكن أن تكون إجابة الذكاء الاصطناعي ضد عاداتنا وتقاليدنا وهويتنا وديننا ويمكن أن يكون منحازا لجنس عن جنس ولون عن لون. في الولايات المتحدة الأمريكية الذكاء الاصطناعي منحاز ضد البشر الملونين ومنحاز ضد السيدات، لأنه ببساطة القائمون على الذكاء الاصطناعي من الرجال وذوي البشرة البيضاء.

حدثنا عن الذكاء الاصطناعي في مصر الآن.. هل قطعنا مرحلة مناسبة لدخول العصر القادم؟ وما هي معوقات التقدم في هذا الشأن في مصر؟

حالياً، نحن في حالة التحضير، ولدينا المجلس الأعلى للذكاء الاصطناعي الذي يتبع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ووزارة التعليم العالي والاستراتيجية القومية والوطنية للذكاء الاصطناعي وهناك مجموعة من الجامعات والمعاهد تضع تخصصات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث نمهد الطريق لتوافر الكوادر والإطار التنظيمي والإطار التشريعي لتطوير منظومات ذكاء اصطناعي مصرية ووطنية، بحيث لا تستورد تكنولوجيا من الخارج، والمعوقات التي يمكن أن تعوق هذا التقدم أن هذه التكنولوجيا متقدمة جداً، وتحتاج إلى قدرات معينة وتمويل كثير وبنية أساسية قوية جداً، وإذا أنشأنا مركز بيانات الذكاء الاصطناعي ستستهلك كميات كبيرة جداً من الطاقة والكهرباء وتخرج ملوثات كثيرة، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة والصين تسيران بسرعة في اتجاهات الذكاء الاصطناعي، ونحاول أن يكون لدينا مساحة خاصة في هذا المجال.

Scroll to Top